شُغلت ذات مرة من عمري بمتابعة الأحداث السياسية وتحليلها على مستوى العالم وعلى الصعيد العربي وعلى صعيد الشرق الأوسط بالذات ، فوجدت أن كل شيءٍ له بداية ونهاية إلا الحدث السياسي فهو في بداية دائمة ويتعامل معه المحلل كأنه حدث فني ..!! فالمتأمل في الأحداث السياسية القديمة يجدها تشغل ذهنه كمادة أدبية ! أو فنية ! وكذا الحال للحدث الجديد !
وباعتقادي إن المحلل السياسي العامل والمتعامل مع وسائل الإعلام ليس إلا ناقد مأجور ! أو ناقم مغرور ! أو كالجدة التي تبحث عن القمل في رؤوس أحفادها كل ليلة ..!! ضجروا منها بينما هي لا تضجر بحجة القمل تتسلى برؤوس الصغار أو تسليهم إلا أن يأتيهم النوم أو تمل هي قبل ذلك بقليل !
والحق يقال ..
إن من يعمل في مهنة التحليل السياسي معلقاً على الأحداث يشبه القملة ! فمن المعلوم أن السياسة عفن صراعات الأمم والقادة والأنظمة ، ولابد للقمل من عفن يتواجد من خلاله ويقتات في محيطه !
واليوم يشج أمالي أن في الحي الذي أعيش فيه أرى شخصاً قد شغل ذهنه وحماسه بمتابعة كرة القدم فأقول في نفسي : هذا شخص فارغ ! ، وعندما أرى شخصاً أخر قد شغل ذهنه وحماسه بالتحليل السياسي أقول في نفسي : هذا أكثر من الأول فراغاً ! مع العلم أن كلاهما يندر في حينا كمثال !
والمشكلة أن الناس تسأل دائما عن كرة القدم أو عن السياسة ، بينما أنا اُفضل أن اُجيب على أشياء ذات معنى وقيماً جمالية وإنسانية أكثر ، إذ تنعدم مثل هذه القيم أو يندر تواجدها في الأحداث الكروية أو السياسية ، وللأسف نظل هكذا أنا ومن حولي ! ، أريد أن نتحدث في حياتنا بينما هم يريدون أن نتحدث في كرة القدم والسياسة الدولية ! الدولية بالذات ! ، فلو كان المستوى متدني عن ذلك لكنت مسروراً به
وعبثا يعتقد المرء الذي يحلل الحدث السياسي اليومي أو الأسبوعي المتفرع من قضية ما ، أنه عندما يناقشه مع الناس فأنهم يفهمون تحليلاته ويلمسون ما بها من رؤى وتلفت عنايتهم ، ولكن الحق يقال أنها تبقى ( نخبوية ) ليست ككرة القدم ( شعبوية ) ..!! وليست كتناقل الحدث السياسي العالمي المفاجئ الذي يستطيع المرء من العامة أن يعيه كلياً أو بعضه بسهولة ويسر
قديماً.. كُنَّ الجدات يتسلين برؤوس أحفادهن وحجتهن في ذالك القمل !! وبعد أن جاءت الشامبوهات وكثر الماء وراج الاستحمام وعمت النظافة وأنقرض القمل ، أصبحن الجدات يتسلين في رؤوس الأحفاد بحجة تسليتهم إلا أن يخلدوا للنوم ! ، فهل يا ترى سنشهد زمناً في السياسة كذلك ؟!

Wapher
del.icio.us

