أفكار للحب
أفكار للحب
لطالما تحدثت مع نفسي كثيراً عن الحب ، ولطالما سألني الآخرين ما هو ؟ ، وبما أن حديثي مع نفسي عادةً يكون ذو شجون عقلاني ، إلى أني هذه المرة وفي هذه العُجالة، ومع الحب أفضل أن أبقي على شجن العاطفة ، فلا يمكن لي أن اشرع في تحليل جانب من جوانب الحب تحليلاً صحيحاً إذا ما أهملت العاطفة ، ولعلي أختص بالذكر الحب الذي يدور في أذهان العشاق ، فهو ما أنا بصدد الحديث عنه هنا ، فلا أحد بالأمس ولا اليوم ولا غداً سيهتم بالحديث عن حب الوطن أو حب المجتمع أو حب الأسرة أو حب العِلم أو أي حب كان .. غير الذي يربط الذكر بالأنثى !! ، وهذا النوع من الحب هو ما حير الفلاسفة واحتاروا فيه مثاليين كانوا أو ماديين ، ويبقى هذا الحب عالم يكتنفه الغموض ، ويغري المارة هنا وهناك ، من رجال ونساء ، الكل يود معرفته وتجربته وخوض غماره ، فهو بالنسبة للسواد الأعظم مغامرة العمر ، ونكهة الحياة التي يبحث عنها الجميع ، وأننا لو تأمّلنا الأمر جيدا ، فسيتضح لنا أن الحب من أكثر الأمور مراودةً للمرء
فالحب ومدركاته من أعقد الأمور التي تعتري المر وتصادفه في حياته ، إذ لا قاعدة له يستطيع المرء أن يعول عليها ، ولا يوجد لنا سِفرْ عاطفي نستنير به في علاقاتنا العاطفية ، وكل ما لدينا هو مجرد قصص وروايات عن تجارب أمّا فاشلة أو ناجحة أو ربما هي مغامرات غرامية غامضة يتلذذ بروايتها البعض و تبعث الإثارة لدى الآخرين ، فالسواد الأعظم يجهل حقيقة الحب عاطفياً وفكرياً ، وإنما يعرف الحب على طريقة المتكلمين أو الغويين منطلقاً في تفسيره للفظ لا للحالة ..!! وآخرين كُثر يفسرونه من منطلق أيدلوجي ..!! وغيرهم أيضاً من يبدأ في تفسيره معولاً على ما هو أخلاقي وما هو خطأ وما هو صواب !!
وكل هذه الأطروحات على الرغم من دقتها وانضباطها المرجعي لم تأتي بتفسير مقنع للعقل يكشف له عن ماهية تلك الرغبة التي تسمى حب
فالحب – الذي أتحدث عنه هنا - ببساطة هو رغبة لرابطة لا قاعدة لها !! ، ومن المعلوم أن كل العلاقات التي تجمع البشر ، تبنى على قواعد تنظيمية معلومة ، وفق قوانينها التي بنيت عليها ، مما يجعلها أكثر وضوحا وذات مسار محدد ، وأيضاً كل أنواع الحب الأخرى لها قواعد تنظيمية وفق قوانين اجتماعية معلومة ، أما الحب الذي يربط بين الذكر والأنثى فليس له قاعدة ولا قانون !
قد لا يفهم البعض ما أعني و ما أكتب هنا ، وقد يذهب بعيدا بأفكاره وقد يقول إن الزواج قانون ، وإن عقد الزواج قاعدة تنظيمية ، ويبدأ هكذا ينظر للأمور بسطحية وبراءة ..
أنا لا أشك بمقدرة القارئ على الفهم ، ولكن أود أن الفت النظر لما أعنيه ، لعل هنالك من هم بحاجة للفت .. فليس الناس جميعاً في الثقافة سواء .. فهنالك الماركسي وهنالك غيره .. وهنالك غير هؤلاء
أنا أتكلم عن الحب كفكرة عقلانية وعاطفة إنسانية ، أتكلم عن الحب كعلاقة شعورية تدور أحداثها بين نوعين ، ذكر وأنثى ، أنا هنا أسبر أغوار عالم من المشاعر والأفكار المعقدة ، والتي أنتجت أفعال وردود أفعال وأفكار انعكست على الكثير من الأفراد ، واستوقفتهم ، وحركت لديهم مشاعر غير مفهومة ! ، وفي هذه المقالة أتعرض لهذه المشاعر بالنقد ، وأيضاً أتعرض لجانب من جوانب الحب في ذاته بالنقد كذلك
والحب في بدايته فكرة !! والدوافع التي بعثت لدينا فكرة الحب غير مفهومة ولكنها تبقى تصورية و تواصلية .. ثم تتحول هذه الفكرة إلى حالة ذهنية متلازمة ينبثق عنها شعور وإحساس يشبه الأمل !! .. نشعر به يعترينا على شكل إثارة ويولد لدينا طاقة تدفعنا تجاه الحياة غالباً !! ...وتظل هذه الطاقة تنعكس على نشاطنا العقلي والجسماني إيجابياً غالباً !! .. وهذه الطاقة تأجج لدينا عواطف عديدة وأيضاً تثير غريزة الجنس لدينا
إن الحب كالخوف !! .. و إن في الإنسان غرائز لا تعمل إلا بمثير .. فالخوف يثير فينا غريزة البقاء .. والحب يثير فينا غريزة الجنس .. ولكن هل نستطيع أن نقول إن الحب يقودنا إلى الجنس حتماً ... نعم إن الحب يقودنا إلى الجنس حتماً .. فالحب دائما يطرق أبوب الغريزة .. وقد تبقى هذه الحتمية معلقة بدون تفعيل ...مما يبقي الحب في طوره الأول معلقاً .. وهنا قد تتلبد في سماء الحب الكثير من الأحاسيس بعضها فوق بعض وتصبح المشاعر فيها مشوشة ومشوهة ... ولكن الحب يبقى على هذا المنوال في نهاية مرحلته الأولى .. وعند نقطة فاصلة ، إما يستمر ويرقى لمرحلة أكبر ... وإما يبقى على حالته هذه .. ويتكون الحب الذي يعرف على أنه الحب العذري .. أقل مراتب الحب وأفشلها على الإطلاق حب قيس بن الملوح مجنون ليلى
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هـو لمـاذا أصـر قيس على أفكاره العاطفية تجاه ليلى ؟
لماذا لم يتعقل و يسلم بما حصل ويبحث عن حب جديد ؟
إن قيس بن الملوح رفض أن يتخلى عن فكرة الحب تجاه ليلى وقد قام ببناء آماله وسعادته وحياته كذلك على هذا الحب وأخذ يعيشه في الخيال ، وكلما أصطدم خياله بالواقع ، تكسرت آماله على صخرة الحقيقة !! .. ولم يستطع قيس أن يتخلى عن الفكرة وبقي على هذا المنوال معلقاً إلى أن أنعكس الأمر وانقلب عليه واقعه .. فبعد أن كان الحب يشكل لديه إثارة ويولد لديه طاقة تدفعه تجاه الحياة .. أصبح قيس يشعر بعكس ذلك تماما !! ...وأيضاً الطاقة التي كانت تؤثر إيجابيا على عقله أصبحت تؤثر فيه سلباً !! ...ومع مرور الوقت اتضح مصير قيس وتحدد مساره .. فهو يعيش في داخل فكرة الحب كما أسلفت ، فهو يرفض أن يتخلى عنها وهي ترفض أن تسير به قدماً .. مما أنتج متلازمة لحالة الذهنية وعاطفية لديه ، والتي أنبعث عنها شعور بالألم والمرارة والحسرة والضياع وانعدام الأمان والطمأنينة !! .. فقيس مع مرور الوقت إيمانه بجدوى التمسك بفكرته العاطفية تجاه ليلى وتمسكه بها ، أصابه بحالة إحباط وأدى به إلى أن ينهار أمام الواقع والزمن !! ... وهكذا أصبحت تؤثر هذه المتلازمة الذهنية على حياة قيس سلباً حتى في نهاية الأمر أودت بحياته !
إن قيس نموذج رائع ومثالي للكثير من الرومانسيين الذين عاشوا رهن الفكرة العاطفية وتجرعوا ألأمها ... وفي العادة نجد الأشخاص من هذا النوع لا يعرفون كيف يتعاملون مع أفكار الحب .. ولا يفهمونها ولا يفهمون حقيقة ما يشعرون به من ألم عاطفي .. ولا يعرفون كيفية فك الارتباط بين العاطفة والفكرة .. أو يعرفون .. ولكنهم رفضوا أن يتخلوا عن الفكرة العاطفية واستعذبوا الألم واستسلموا له ..!! حتى أطبق عليهم وأستهلكهم .. وقد يكون هذا استسلاماً ماسوشيّاًً نابعاً عن لذة الفكرة العاطفية
قد يعتقد البعض أن الحب غريزة ، وهذا ليس صحيح ، فالحب ليس كذلك ، وليس أيضاً أحدى حماقات الغريزة ...إن الحب أسمى من كل الحماقات ..فهو نتاج الفكر والثقافة والخيال العاطفي .. فالحب شعور وإحساس مركب من فكرة وعاطفة ... وهذه الفكرة العاطفية تكبر وتتضخم مع مرور الوقت .. حتى تصبح مثيرة للغرائز في داخل الإنسان .. فالحب لا يثير غريزة التناسل فقط بل أنه حتى يثير جميع الغرائز لدى الإنسان .. فالحب يبعث في داخل الإنسان جميع الغرائز الإيجابية والسلبية وعلى رأسها الموت ... والفكرة العاطفية في الحب مختلفة التفرعات لا مفر منها .. فهي تقود المرء إما لمستوى أعلى من الحب وأكثر إثارة ونضجاً وعقلانية وعاطفية .. وإما تنقلب عليه وهنا يتحتم على المرء معه أن لا يقبل على نفسه أن يبقى حبيس تلك الفكرة فيصبح كمثل قيس بن الملوح .. وإنما عليه أن يعالج تلك الفكرة حتى يتغلب عليها .. ومن ثم يحاول أن يلحقها بالماضي ويبقيها في عالم الذكريات حتى تندثر ولا يأسى عليها أبداً
إن الأفكار العاطفية إذا تطورت تنعكس على الغرائز إما إيجابيا وإما سلبيا ..والحب إذا ما انتقل إلى مرحلته الثانية والحتمية وهي الشروع في ممارسة الحب .. فأنه بعد أن كان مجرد فكرة عاطفية تتفاعل في داخل الشخص وتألب عليه المشاعر والعواطف وتحرك غرائزه عند ذروتها ...وسيتجلى الحب هنا إذا ما كان فكرة مشتركة بين شخصين ويدفع كل منهم في اتجاه الأخر..هذا إذا كانت الفكرة العاطفية بُنيت لدى الاثنين فعلا في مرحلة سابقة .. فأنا هنا لست بصدد الحديث عن العلاقات العابرة أو العلاقات من طرف واحد فقط ... فالحب هنا رابطة بين أثنين والروابط عادة لا تتجزأ .. ومكون هذه الرابطة هو الفكرة العاطفية ونتاج هذه الممارسة هو الحنين والوجد وثم بعد ذلك الاشتياق .. ومشاعر الحب الحقيقية لا تُعرف إلا من خلال الحنين والوجد .. وعندما يتشكل كل من الحنين والوجد وعند دخولهما على مسرح الأحداث بعد أن تم تفريخهما على ساحة الحب عبر ممارسة الحب ، سينتقل الأفراد إلى طور تجربة الحب الناضجة ... وسيظل الأفراد في هذه المرحلة وبعد شعورهم باللذة يقضون الوقت في الحنين إليها والتوجد عليها .. ولعله هنا تصبح لغة الجسد أكثر لغة متداولة في هذه المرحلة من الحب .. ويصبح كل من الحنين والوجد لاعب رئيسي في هذه المرحلة ...وإن مشاعر الاشتياق تنبعث بقوة في هذه المرحلة لتدفع بالأفراد تجاه السير قُدماً في هذه العلاقة التي مجمل الأفعال وردود الأفعال فيها تشبه عملية الدوران حول الطاحونة .. والطاحونة هنا هي اللذة .. وربما مع مرور الوقت تقوم هذه الأفعال بإنتاج انعكاسات سلبية على علاقة الحب هذه .. ويتم طحن العلاقة العاطفية في إطار العملية الجنسية ! ...ودائما ما نلاحظ ذلك على كثيرين ممن تم لهم الارتباط عبر الحب وكثيرين ممن وقعوا ضحية الإهمال العاطفي .. فالوعي الفكري والعاطفي في هذه المرحلة مطلوب من الأفراد .. وعلينا أن نقوم بالمحافظة على عواطفنا ومشاعرنا وأن لا نسمح لها أن تُلقى داخل قرص الطاحونة التي ندور حولها .. وإنما ما نقوم بطحنه من خلال هذه العلاقة وعبر هذه الطاحونة هو الألم الناتج عن عاطفة الحب والاشتياق والحنين .. فأفكار الحب العاطفية ومشاعره من حنين ووجد واشتياق وغيّره .. تنتج لنا كم هائل من الألم الذي لا يمكن لنا التخلص منه دون اتصال جسدي !
العديد من الأفراد من المتزوجين والذين وصلوا إلى هذه المرحلة من الحب مع مرور الوقت يخسرون الكثير من العواطف وقد يفقدون الحب في هذه المرحلة ويقومون بطحنه في هذه العلاقة .. وقد يتحولون إلى حب صوري كأي حب أخر.. كحب الوطن أو كحب المال .. فمن يتحول عنده الحب كحب الوطن يصبح لديه شيئا عادي وصوري ومجازيا لا حقيقة له تفهم إلا المصلحة الذاتية والعامة .. أما من يتحول لديهم كحب المال فهم يصبحون براغماتيين يحبونه فقط لحاجتهم له ولما فيه من اللذة فقط وهذا النوع الأخير من الأشخاص يصبحون نهمين يبحثون عن اللذة ولا يعيرون العاطفة أي اهتمام ... وأساب هذه التصرفات تُعزى إلى قلة معرفتهم بما يتوجب عليهم تجاه مشاعرهم وأحاسيسهم .. فربما هم لا يفهمون أنفسهم جيدا ولا يفهمون حقيقة الحب ولم يكلفوا أنفسهم أعباء التنقيب في داخلهم عن حقيقة ما يعنيه لهم الحب ، الذي طرق أذهانهم و قلوبهم ذات لقاء .. فاللذة عادة تبنى على عاطفة ، فعلينا أن نعي ذلك وأن لا ننساق خلف اللذة تاركين عواطفنا عرضة للتبخر على أثر حرارة اللذة التي تتأجج بها هذه المرحلة .. والتطرف يحيل اللذة إلى وبال والعديد من الناس يرى اللذة العاطفية على أنها ضعف وخور في الطبيعة البشرية ! ولكنهم في حقيقة الأمر لم يفهموها وتعاملوا معها بسطحية .. وهناك من تعامل معها تعاملا براغماتيا وهناك من تعامل معها بطرفية أيضا .. فالتطرف في المشاعر يقضي على الحب ويحيله إلى عمل روتيني وواجبات حياتية أو يومية أو أسرية .. وربما يذهب إلى أقبح من ذلك ويفسر متطلبات العاطفة على أنها مجرد خدعة طبيعية كما ذهب إلى قول ذلك العديد من المنظرين !!
إن أفكار الحب حتى النهاية معقدة وقد تؤثر فيها الظروف المحيطة بها .. ومن اللازم والواجب على الفرد أن يتقي تلك الظروف بالسير بحكمةٍ وعقلانيةٍ تتناغم مع عواطفه ، وفي نفس الوقت يحافظ على مشاعره ويرعاها ..هذا إذا كان فعلاً ينشد السمو والكمال العاطفي وفعلاً يريد أن يعيش الحب حقيقة لا مجازاً .. وعلى كل فرد أن يظل يفهم الأخر ودوافعه العاطفية قبل الشروع في ممارسة الحب وبعده.. فالعلاقات التي تبنى على وضوح دائما وغالباً تكون نهايتها سعيدة .. أما العلاقات التي لا تبنى على وضوح فإنها مهددة بالفشل السريع والذريع .. وقد ينتج عنها ردود أفعال سيئة للغاية تنعكس على الفرد الذي خاض غمار التجربة الفاشلة
إن الكثيرين اليوم يحرمون أنفسهم من الحب !! .. إما لجهلهم وإما لعدم صدقهم وإخلاصهم مع أنفسهم ومع الغير .. والمرء قبل أن يتعلم الحب ، هو مطالب أن يتعلم الإخلاص مع الذات والوضوح مع من الآخرين .. ومطالب أيضا بالوضوح مع نفسه ، فيجب عليه عدم خلط الأمور الحياتية بالمشاعر العاطفية وعدم تحميل العواطف ما لا تحتمله .. وعلينا جميعاً التمييز بين ما هو عاطفي وما هو ليس بعاطفي .. وأخيرا علينا أن نميز بين ما هو حب وما هو ليس بحب .. فمن الظلم أن نتعلق بالأوهام من خلال الأساطير التي غذينا عليها من خلال ثقافة مجتمعاتنا التي تسببت لنا في أن نفهم الأمور ونتصورها بطرق مغايره للحقيقة
وأخيراً .. ما هو الحب ؟!
هذا ما أشعر به وقد التقيت به كثيراً ولكني إلى الآن لا أستطيع أن أفهمه أو أصفه بأكثر مما سبق !

Wapher
del.icio.us

